السيد محمد باقر الصدر
154
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
والدليل على إمكان هذا التفسير : وجود هذه الظاهرة التي ندرسها في الحقول العلمية النظريّة البعيدة عن مشاكل الإنتاج وتطوّراته فقد توصّل مثلًا ثلاثة من علماء الاقتصاد السياسي في وقت واحد إلى ( النظريّة الحدّية ) في تفسير القيمة ، وهم ( جيفونز ) الإنكليزي سنة ( 1871 م ) و ( فالرأس ) السويسري سنة ( 1874 م ) و ( كارل منجر ) النمساوي سنة ( 1871 م ) . ومن الواضح أنّ النظريّة الحدّية ليست إلّاتفسيراً نظريّاً معيّناً لظاهرة اقتصاديّة قديمة في حياة المجتمع الإنساني ، وهي القيمة التبادليّة ، فلا علاقة للمحتوى العلمي للنظريّة بمشاكل الإنتاج أو تطوّر القوى الطبيعية المنتجة ، ولم تستمدّ دليلها من هذا التطوّر « 1 » . فما هو تفسير وصول ثلاثة من أقطاب الاقتصاد في وقت واحد تقريباً إلى وجهة نظر معيّنة في تفسير القيمة ، سوى أنّهم كانوا متقاربين في شروطهم الفكريّة وقدرتهم التحليليّة ؟ ! د - وأمّا تبعيّة العلوم الطبيعية لتطوّر القوى المنتجة - بوصفه المصدر الذي يموّن العلم بأدوات البحث الضروريّة له - فهي في الواقع علاقة مقلوبة ؛ ذلك أنّ العلوم الطبيعية وإن كانت تنمو وتتكامل طبقاً لما تظفر به من أدوات للتجربة والاختبار ، من مراقب ومجاهر وآلات تسجيل ، وما إليها ، ولكنّ هذه الأدوات نفسها ليست إلّانتاجاً للعلم ، يقدّمه العلم بين يدي العلماء ليتيح لهم استخدامه في الوصول إلى مزيد من النظريات واستكشاف الأسرار المجهولة ، فاختراع المجهر في القرن السابع عشر كان ثورة في وسائل الإنتاج ؛ لأنّه استطاع أن يزيح الستار عن دنيا مجهولة لم يكن قد اطّلع عليها الإنسان قطّ ، ولكن ما هو المجهر ؟ إنّه نفسه ليس إلّانتاجاً للعلم ولاكتشاف قوانين الضوء وكيفيّة
--> ( 1 ) راجع أصول الاقتصاد ( المقدّمة ونظريّة القيمة ) 1 : 41